عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي
79
نزهة المجالس ومنتخب النفائس
( حكاية ) : قال أبو عمر المازني : رأيت شابا في يوم شتاء يصلي والعرق يرشح منه فعجبت من ذلك فقال : إذا صدقت المحبة منعت برد الشتاء وحر الصيف . وقيل لبعض المحبين : من أين ؟ قال : من عند الحبيب قيل : وإلى أين ؟ قال : إلى الحبيب قيل : ما تشتهي قال : لقاء الحبيب قال : إلى متى تذكر الحبيب ؟ قال : حتى أرى وجه الحبيب . ( حكاية ) : نثر هارون الرشيد يوما دنانير على خدمه فالتقطوا إلا جارية سوداء فسألها عن ذلك فقالت : أنا أريد صاحب الدنانير فتزوجها فعاتبه أصحابه في ذلك فجمعهم على مائدة وضعها لهم في أواني الياقوت ثم قال للجواري : ألقوا هذه الأواني فلم يفعلوا فألقت الجارية ما في يدها فانكسر فسألها عن ذلك فقالت : كسر الإناء نقص من خزانة الملك ومخالفته نقص من أمره والنقص من خزانته أولى . وكان لبعضهم عبد يقربه فجاء إليه أهل الإقليم يشكون من جور أميرهم فعزله عنهم وقال : اختاروا لكم أميرا فاختاروا العبد ثم قال لبعض أصحابه : إذا استقر في ولايته فألقوا له سما فلما ألقوه له علم بذنبه وقال عند خروج روحه : هذا جزاء من اختار العبد على مولاه . وقال السري السقطي : تدعى الأمم يوم القيامة بأنبيائهم يا أمة موسى يا أمة عيسى يا أمة محمد ثم يدعى بالمحبين فيقول لهم : يا أولياء اللّه هلموا إلى اللّه فتكاد قلوبهم تنخلع فرحا . وقال يحيى بن معاذ الرازي : مثقال ذرة من المحبة أحب إلى اللّه تعالى من عبادة سبعين عاما بلا محبة . ( حكاية ) : لما اطلع فرعون على إيمان آسية رضي اللّه عنها أحضر الجزار وقال له : اصنع بها كما تصنع بالشاة إذا ذبحتها فقالت الملائكة : ربنا قد وقعت هذه المرأة في بلاء فرعون فقال : إنها قد اشتاقت إلى لقائنا فلما صارت إلى حد النزع قال اللّه تعالى : يا جبريل إنها تحرك شفتيها فاسمع ما تقول وهو أعلم فقال : يا رب إنها تطلب بيتا فقالت الملائكة : بلاؤها شديد وصبرها كثير وسؤالها حقير ، فقال اللّه تعالى : اسمع منها في أي مكان هذا البيت وعند من هو ؟ فنزل فقال : يا رب إنها تقول : رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ [ التحريم : 11 ] فقالت الملائكة : هذا سؤال عظيم وبيت شريف لأنه في جوارك ومبني في دارك فقال اللّه تعالى : قد بنيته لها قبل سؤالها فكان يسلخها وهي تنظر إليه وتقول : اللّه اللّه . وقال البغوي : إن فرعون أمر بصخرة عظيمة لتلقى عليها فلما أتوها بالصخرة قالت : يا رب ابن لي عندك بيتا في الجنة فنظرت إليها وهي من درة بيضاء وانتزعت روحها فألقوا الصخرة على جسد لا روح فيه . وقال الحسن وغيره : رفعها اللّه إلى الجنة فهي تأكل وتشرب . وقال نجم الدين : كانوا يعذبونها في الشمس فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة . وقال الثعلبي في كتاب العرائس : إن موسى عليه السلام مر بها وهي في العذاب فشكت إليه بإصبعها فدعا اللّه تعالى أن يخفف عنها فلم تجد ألما فلما نظرت إلى البيت ضحكت فقال فرعون : انظروا الجنون الذي بها تضحك وهي في العذاب ، قال القرطبي في قوله تعالى : أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ [ غافر : 46 ] كانوا ألف ألف وستمائة ألف لم ينج منهم إلا آسية وابن عم فرعون الذي كتم إيمانه واسمه حزقيل وقيل